ضرورة التغيير الاجتماعي في اليمن

كتبهاحنان محمد فارع ، في 7 فبراير 2009 الساعة: 07:13 ص

 

حتمـية التغـيير ..

 

 

 

بقلم / حنان محمد فارع

 

 

 

يهوى الإنسان اقتناء كلّ شيء جديد لمجاراة روح هذا العصر ومتطلباته والشعور بالتجديد والسعادة في

الحياة دون أن يدرك مدى أهمية احتياجه لتلك الأشياء من عدمها..

 بالمقابل كنت أتمنى ألا يتردد - الإنسان - في امتلاك الرغبة الجامحة والأكيدة نحو التغيير على المستوى

الشخصي والانعتاق من طريقة تفكيره ومنهاج حياته واهتماماته فلا يقتنع أو يرضى عن وضعه الحالي

ويحاول قدر المستطاع أن يُصبح مختلفاً عن ما سبق، وكان عليه وما اعتاد أن يفعله الأولون من الآباء

والأجداد منذ أزمان ويشمل ذلك تغيير واستبدال عادات بأخرى، أو تغيير الاتجاهات، أو الآراء ، أو السلوكيات، أو الأخلاقيات، أو الأداء، أو الأفعال التي تتكرر دائماً ؛ لأن ذلك دون شك سينعكس إيجابياً على مستوى الحياة العامة .

في الغالب الإنسان عدو ما يجهل لا يحب التغيير ولا يميل إليه ويقاومه بضراوة ويظل أسيراً لقيود صنعها بنفسه حول نفسه ومساقاً إليها طيلة حياته كما تساق الدابة إلى مصيرها المحتوم ضعيفاً، بائساً، متخبطاً أمامها فلا يستطيع الفكاك منها ويبقى عبداً مقهوراً لها، ما يضطره للتنازل عن فطرته الطبيعية الميالة إلى التغيير نحو الأفضل والسير وفق ما هو قائم من قناعات الآخرين وأعرافهم وعاداتهم ومفاهيمهم الخاصة، فلا يبحث عن الطرق والأساليب المتاحة لحياة جديدة مبتكرة لتطوير الذات وتغييرها ليتمكن من توفير الرقي لنفسه في الحياة وإيجاد مركز اجتماعي يُحظى به وأنماط متنوعة تضمن له النجاح.

نعيش في مجتمع تحكمه منظومة من الأعراف والموروثات الاجتماعية يحوي على مجموعة من العادات والتقاليد تجتمع عليها الناس ولا يمكن الخروج عنها واقتلاعها وتؤثر بحسناتها وسيئاتها على حياة الفرد والمجتمع معاً وتسبب في إحداث خلل اجتماعي يؤدي إلى زيادة المشاكل وحجم المعاناة وتتفاقم الظواهر الاجتماعية دون إيجاد سبل حقيقية للمعالجة والإصلاح نتيجة التمسك بكل ما هو تقليدي وموروث ولا يعبر عن إرادة الأفراد وتبقى هناك فجوة قائمة بين السائد وما ينبغي أن يكون، ففي المجتمع اليمني يرتفع شأن ومكانة القبيلة والكثير منها ما تزال تتمسك بمجموعة الأعراف وأفرزت تعصباً قبلياً في العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع وتصنيفات طبقية على أساس الأصل والنسب وتدخلت في شؤون الحياة وساعدت على تكريس الجهل والتخلف والانكفاء على الذات وبات من الصعب على المرء الانسلاخ عنها والقيام بنقلة نوعية تشمل تغيير المفاهيم وإزالة هيمنة التركيبة القبلية والتهيئة لإحداث تغييرات في الجانب الاجتماعي لتعود الفائدة على الفرد والمجتمع .

إن التغيير الاجتماعي المتأمل يحتوي على تكوين طبقي مرن قابل للتغيير حتى يسهل على الأفراد انتقالهم إلى مراتب أعلى بفضل علمهم وثقافتهم وجهدهم وما يقومون به من نشاط مهني وتنخفض مكانة الأفراد إذا ما فشلوا في أعمالهم ويُقاس المرء ويتم تقييمه على حسب عمله وجهده وليس لاعتبارات أخرى، فكلما ازداد المجتمع إقبالاً نحو العلم والتفكير العلمي الواعي ضعف ارتباطه بالأفكار والقيم القديمة البالية واتجه أكثر نحو تقبل المبادئ والأفكار المستحدثة مما يؤدي إلى تقويض سلطة القبيلة وتمكين القانون ونجاح الدولة في بناء مجتمع مدني يقوم على المساواة بين المواطنين ، وحل مثل تلك الإشكالية داخل المجتمع اليمني يجب أن يستند على رغبة قوية وصادقة في التغيير .

 

 

التغـيير وارتباطه بحظوظ الإنسان

 

 

 

أن التغيير ضرورة حتمية يقتضي اقتلاع العادات والتقاليد القبلية السائدة داخل المجتمع ومدى تأثيرها السلبي على حياة الأفراد ، بعد أن فقدت فعاليتها وماتت وفاحت رائحتها دون التمكن من إقامة مراسيم الدفن لها ..

 وما زاد الطين بلّة تعزيزها للجهل والتخلف والفوارق الطبقية بين أبناء المجتمع الواحد وخلق جو من الشعور بالظلم الاجتماعي ، وانتهينا إلى أن التغيير الاجتماعي أمل منشود رغم صعوبته حيث يتطلب رغبة جادة وصادقة .

إن المناداة بالتغيير ليست شعاراً أو خطاباً بل طريقاً لبناء المجتمع وتقديم حلول مثالية لجميع مشاكله الاجتماعية والسعي إلى خلق عالم أكثر سعادة ورفاهية، ورؤية الإنسان المتعلم المثقف لأهمية التغيير تختلف عن رؤية الآخرين له رغم إيمان البعض منهم بضرورة التحرر من الموروثات الاجتماعية وصولاً إلى مجتمع أكثر مصداقية وشفافية، إلا أنه يقف عاجزاً عن تطبيق ما يؤمن به على الصعيد الشخصي، إذ يشعر بالغربة والاختلاف عن محيطه فيضطر إلى حمل شخصية متناقضة تختلف أقواله عن أفعاله حيث تظل الأخيرة حبيسة السائد والمتعارف عليه في مجتمعه .

 يتحدث مكيافيللي في كتابه ( الأمير ) : “ إن تغير الحظ وبقاء البشر على طريقتهم الثابتة فإنهم يحققون نجاحاً طالما تلاءمت هذه الطرق مع الظروف المحيطة بهم ، لكن عندما تتعارض الطرق مع الظروف المحيطة فإنهم لا يحققون نجاحاً » بمعنى أن حظوظ الإنسان وسعادته تتعلق بالمجتمع الذي يعيش فيه والتخلص من طرق التفكير القديمة حتى لا يكون مضطراً - الإنسان - على تجرع واقعه المر خوفاً من رياح التغيير وما قد ينتج عنها من الشعور بعدم الارتياح والانزعاج .

بات واضحاً أن ما يضمن لأي مجتمع القوة والبقاء والاستمرارية في عصر التجديد والحركة هو الخروج عن العادات القديمة المألوفة والأفكار المغلوطة التي من شأنها إضعاف حرية الأفراد وتقييد الإرادة بقيود السلبية والانهزامية وتجاهل نعمة العقل وجلب التعاسة لحياتهم من جراء الالتزام بنظام اجتماعي ثابت متخلف يقف عائقاً دون الاتجاه نحو تعلم أشياء جديدة كبدائل مناسبة لتحرير العقل من عبودية الموروثات وخلق الإحساس بحتمية التغيير ، أما ضمان نجاح ذلك فيتم عبر تجنب العراقيل والتخلص من شعور الناس بالرهبة والقلق والتركيز على الجانب السلبي للتغيير، خوفاً من ضياع الهوية الثقافية والدين مما يفقدهم الرغبة إلى تغيير الأفعال واستيعاب كل جديد وإيجابي والبقاء في الاتجاه السلبي ليصبحوا قوى جامدة طاردة لكل جديد عاجزة عن مسايرة روح العصر .  

بالمناسبة ، الزراعة تحتاج إلى تربة صالحة وهذا يستلزم تنقيتها من الترسبات العالقة وتخليصها من كل ما هو ضار وحرثها بما يعني تقليب الأرض وتهويتها من أجل تنشيطها وبعث الحياة فيها وغرس البذور الجديدة مع استمرار الاهتمام بها ورعايتها والحاجة إلى سقايتها خلال فترة النمو حتى النضوج و قطف الثمار ، بمعنى أن التغيير يستدعي إعادة النظر في منظومة التعليم السائدة والدعوة إلى إصلاحها وتعديل المناهج الدراسية وتنقيتها من الشوائب والحشو وتناول مكونات تعليمية جديدة تتلاءم مع التغيير الشامل المنشود وإعادة البناء المعرفي بغية الوصول إلى النتائج المرجوة وتخريج أفراد ينشدون الأفضل لإحداث ثورة اجتماعية كفيلة للارتقاء بمستوى التفكير .

 

التغـيير مسـؤولية من .. ؟!

 

 

 

حتماً بدخول عناصر جديدة للمجتمع سينعكس إيجابياً وبشكل ملحوظ على جميع مناحي الحياة بدلاً عن القيم القديمة التي تكرس الجهل والعزلة والتخلف والظلم الاجتماعي وانصياع الإنسان لرغبات الآخرين وتخلق الشعور بالتعاسة والغربة.

 وخلصنا إلى القول إننا بحاجة إلى الانتقال من الثقافة الاجتماعية التي أصبحت مشكلة إلى وضع جديد يعتبر بمثابة الحل وإعادة هيكلة المجتمع وتطويعه في سبيل سعادة ورفاهية الإنسان.

علماً أن العادات والتقاليد تحد من سرعة تقدم وتطور الأفراد والمجتمع وتخلق فجوة بين الموروث القديم والتقدم العلمي والفكري والإنساني في ظل غياب الفهم الموضوعي والاستيعاب العقلي لتقبل هذا التطور والتزمّت بالحفاظ على الثقافة الاجتماعية السائدة ليعيش المجتمع تناقضات حادة تخلق حالة من التشتت والاغتراب وتصبح إنجازاته محدودة وبطيئة جداً، ومن هذا المنطلق تأتي الرغبة في إحداث التغيير الاجتماعي في الوضع الراهن الذي أصبح عقيدة راسخة والتخلص من الوهم السائد، أن كل ما هو قديم سهل ومقبول؛ بينما الجديد لا يتلاءم مع بيئتنا.

هدف التغيير الاجتماعي هو بناء مجتمع عادل، حيث يتحول الإنسان إلى طاقة تدفع إلى الحركة والعمل والكفاح وينتصر على مشاكله وبيئته المتخلفة لتسود قيم أخلاقية تحفظ آدميته ويرسم مستقبلاً حضارياً تسوده العقلية العلمية والانتقال من القبلية والبداوة إلى المدنية والتحضر، ومن الفوضى إلى النظام والتخطيط، فجوهر التغيير الاجتماعي هو خلق بيئة وقيم جديدة تعزز مشاعر الثقة بالذات وبالمجتمع والمستقبل معاً.

علينا أن نقف الآن أمام سؤال هام  هل التغيير مسؤولية فردية أم جماعية، وهل التغيير مسؤولية الدولة بجميع مؤسساتها وأجهزتها أم مسؤولية الأفراد والمنظمات الأهلية؟.

أعتقد أن كل جهة من هذه الجهات مسؤولة عن إحداث التغيير حسب موقعها وما تؤدي من دور منوط بها ومدى قدرة مخرجاتها على تحقيق أهداف التغيير، حيث يمكنها أن تسهم في خلق مفاهيم جديدة في المجتمع لمواجهة المفاهيم القديمة.

 وحتى لا يخرج التغيير عن مساره المفترض ويتحول إلى فوضى علينا في البدء أن نتعرف على قدرتنا ومن ثمة نتبع مجموعة من الخطوات في تشخيص وتحليل المشكلة، ونحدد أهدافنا المنشودة، ونضع الآليات الفعالة، ونحدد رؤية معينة للانتقال من القديم إلى الوضع الجديد بشكل منتظم، والبحث عن البدائل الممكنة، وإيجاد حلول مناسبة لدعم ومساندة التغيير والالتزام بها، وكل ذلك خلال فترة زمنية معينة، نستطيع فيما بعد أن نتعامل مع أخطاء المجتمع بحزم وحرية.

فإن مسؤولية الأفراد تنبع من اعتبار الإنسان عنصراً خلاقاً يشارك في صنع تاريخه وهو الذي يغير ويطور ويبني ويهدم، أما مسؤولية الإعلام يأتي من دوره كإحدى أدوات التثقيف والتغيير والقادر على تشكيل التفكير الاجتماعي وتحويل الأفكار الإيجابية إلى معتقدات لدى الناس، فهو قناة اتصال وحوار ويؤثر تأثيراً يمكن أن يكون إيجابياً أو سلبياً.

أما مسؤولية المؤسسات الحكومية والأهلية في التغيير يتم عبر فك الجمود والتقليدية في عملها وطرح الآراء والأفكار والحلول للقضايا بما هو خير في طريق تقدم المجتمع، فإذا كانت فعالة في أعمالها وواجباتها؛ فإنها تؤثر بشكل أو بآخر على مستوى المجتمع من كافة جوانبه .

أخيراً ينبغي أن ندرك إذا أراد الإنسان أن يبقى على صلة بعصره عليه تبني فلسفة أو ثقافة واضحة المعالم، وإلا فإن التطور بحد ذاته سيكون صعباً .

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر